Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

الذي مر من هنا

البــدايةشــــعر الدراسات الفولكلوريةفيما يشبه الشهادة هــكذادفـتر الـزوار تعليقات الزوار

    موقع الشاعر فارس خضر

 

 

 

 مختارات من ديوان :

الذي مر من هنا

 

 

 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002.

ـ 1ـ

 

قتلة يُعاقبون بالحياة

 

 كابوس فردي

 

إله الأسى :

" وجدوه مٌنتحراً في خرابه

المغفلٌ .

أدمى ظَهره بشوك خطايانا ،

وبكى من أجلنا كثيراً ؛

حتى مسحت السماءُ بيدها خدَه .

لكنه

لم ينلْ غٌفرانناً أبداً "

 

مُتكاسلاً

يرفسُ بابي ،

ثم يطعنُ النومَ في صدره .

كانت العزلةُ راعشةً في الركن

عندما سجنَ بفمي صرخةً دائمةً

تريد لو تخرج يوماً لتصفعَ الجدران .

.......................................

.......................................

في يومٍ مخمور ،

وقفَ الشاطئُ مُترنحاً :

خرقةُ

علقتْ بوجهه كجريمةٍ .

 

كان البحرُ قد كَرِهَ اللعبة تماماً

فأرسل روحَه في سفينةٍ

إلى الجحيم .

ولأنهم ورثةُ مزعجون ،

لا يصدقون أن الميراثَ كله خرقةٌ ،

بكوا بدموعٍ ثلجيةٍ .

كيف ينتهي كل هذا الضجيج

دون كنزٍ نهائيٍ

يطهرُ الرحلةَ من الدم ...؟!

في جنازةٍ متخمةِ بالنعوش ،

جاءوا معطرين بالخيبةِ  ،

توسلوا للشجنِ

كي يعصرَ عينيه لتمطر .

لكنه غافلهم

وثقب بالوناته الملونة

فانفجروا

ضاحكين

 

- عبثْ ..

هكذا قالت الأحلامُ

ثم أسندت رأسها على كتفي

ونامتْ .

 

كانت الأرضُ مشروخةً بحزنها

تعبر فوق الجسر هاربةً

وكانت الرحمةٌ تغرفُ الصباحَ

في حذائها

وتقفز منفوشةَ الشعر

تحت السماء .

 

للأسف

كل السلالم التي توصل إليها

قطعت فجأةً :

ولم يكن هناك

غير بقايا ضجّة فوق البحر ،

وخرقةٍ داميةٍ تلوثُ وجهه

بعويلها اليومي .

 

 

ســيرة الأفــاعي

 

يخرجون من جلوِدهم

كلَّ ليلةٍ

لينبشوا الذكرى :

ولدٌ أحمق في عينيه دمعتان ،

يطاردُ القمريّ في أعشاشه ،

ويطيرُ مع اليمام ،

يُحكى

أنهم ثبتوا له قدمين بالأرض

فصارَ مشاءً عظيماً ،

واستبدلوا الدمعتين بكرتين زجاجيتين ،

فكفَّ عن البكاء ..

لكنه في لحظاتِ هذيانِه ،

يحومُ حولَه القمريُّ ،

وتنبتُ لكلماته أجنحةٌ ترفرفُ ،

فتذوبُ جلودُ المهرجين

وهم يسخرون بضجة

من المهزول الذي يروي الأساطير .

 

( 1 )

أمي ..

أنا عطشٌ دائمٌ يا أمي ،

الصفصافةُ التي ارتديتُ ظلَها شاختُ ،

حلقي صحراءُ مشققةٌ ،

وروحي بردانةُ ،

ولا غطاء يخبئُ الفقر ...

........................

الملعون ،

حين دثرتنا الأغطية الثقيلةُ

تركَ في رئتيك

ما يدلُ عليه .

 

( 2 )

أبي ...

لا يرى العصافير ،

يده التي تلكزني بقسوةٍ

تضخمت فجأة ،

صارتْ بحجم حفرة تستقبلُ رذاذَ المطر ...

في حياةٍ كهذه

لا سماء تمطرُ ،

فقط

الخيوطُ الجيريةُ المرسومةُ على جلبابه

تتدفقُ

في فمي.

 

( 3 )

أنا ..

كنتُ بحاجةٍ إِلى هزيمةٍ ،

وبما أنها جاءتْ دون تخطيطٍ مسبق

فمن حقي أن أبحثَ عن سعادتي الخاصة.

عيونكم سكاكينُ مشرعةٌ في وجهي

" فلا تنظروا لي هكذا "

يجرحُني الزجاجُ وأنتم شظايا بشرية ..

أي فراغ ملوث يضمُ هذه الكائنات الخربة .

قدماي الآن

تتعثران في جثثٍ مموهةٍ ،

وأنا أبحثُ عن سعادتي الخاصة

فارفعوا توابيتَكم في الهواء

ربما تدركُ بمفردها

مكانَ المقبرة ..

 

( 4 )

هم ..

قطرةُ دفءٍ تائهةٍ

عمن تبحثُ أيها البحرُ الهائجُ .. ؟

..............................

..............................

مركبٌ ممزق

وعواصفُ عمياءُ

معتمة  .

 

 

نهار ميت

 

* حضن شائك

 

أتحدثُ عن الغربةِ وأنفاسُنا تتعانقُ ،

لا تزال رموشي مروية بعناية

ويدي تسندُ جبهتي ،

لكنني كل فترةٍ

أبصقُ ضحكاتي

في سلةِ المهملات ،

ثم أكنسُ من ذاكرتي

قتلى مغدورين ،

بظهورهم

كانت الحياةُ مرشوقةً

كسكينٍ أخرس .

 

* غرفة

 

فلنكن وديعين ونترك البابَ

يسفحُ دموعَه أمامنا ،

لماذا نخافُ .. ؟

لمجرد أن رنةً يائسةً للعودِ

أرعشتْ الجدران ،

ألا تكفي كل هذه النوافذ المحكمة

لترويضِ الوحدة ،

أنقاضُنا لا تفسرُ الوداع

لهذا يمكننا أن نقيمَ محبةً كبيرةً

تتفحصُ الانتحار جيداً ،

ثم تمهله يوماً

لأنه نسى أن يسبلَ نهاراً ميتاً

ويقبلُه بين عينيه .

 

* البرد

 

شمسٌ مشلولةٌ

تتسلقُ البيوتَ ،

لماذا تجلسون في انتظارها ؟

انظروا

لقد وصلَ الخريفُ متجرداً من عظامه ،

فانتحرتْ كُتبي على الأرفف ،

رؤوسُها المدلاةُ تُفزعُني

مثل وشمٍ يستعيدُ ذاكرتَه ،

وعندما تستريحُ المقصلةُ

سيأتي ماسحُ الأحذيةِ

ليصبغَ ملامحي بجثثٍ يومية ،

وأنا بأصابعَ مفزوعةٍ

أتحسسُ جسدي .

 

* عابر

 

أركضُ

كمن يحاولُ أن يشدَّ الزمنَ

من قميصه للوراء ،

ثم أقفُ متحجراً

كبنايةٍ قديمةٍ ،

غالباً ما

أنظرُ خلفي بدهشةٍ

كيف لا أجدُ أثراً

لخطواتي على الرصيف ؟

أين تذهبُ كل هذه الدماء ... ؟!

 

 

 
 

* خيانة

        تركوا لنا الصحراءَ في حجراتِنا

ثم أسلمونا للعطش ،

أمروا كلاما فسالَ على جانبِ الفم

واعتقلوا رجفةً تتآمرُ ضدنا ..

كان يمكنُ أن نصرخَ :

أمهلونا قليلاً

حتى نردَ الغطاءَ على أرواحنا الميتة ،

أمهلونا قليلاً ..

نصرخ .... ونلوّح

حتى تغيمَ أصواتُنا

خلف ضحكةٍ ساخرة .

 

* نضال

 

اختفوا

لا شواهد تركُوها في المقاهي

ولا أغنيات ثائرة كانت في ودائعهم ،

كنا نظنُهم مدفونين في أماكنَ سرية

( تحت الأرض مثلاً )

لكنهم اختفوا فجأةً ،

تاركين على المقاعد خوفَهم

كتنين خرافيّ ،

يلعقُ دماً متخثراً على شفتيه

بتلذذٍ

ويتهيأُ ليلدَ مناضلينَ آخرين .

 

* كأني غريب

تتحدثين عن السكينة .... ؟

إنها تلطمني كلَّ يوم

ليس لأن أيامي أشد من قسوةٍ

ولا

 لأن المساميرَ

تجاهرُ بصدئِها

وهي تمرُّ بروحي ،

ولا

 لأن رأسي

تحتلُها حراسةٌ مشددةٌ ،

ولكن

لأني أثورُ محاولاً جمع أشلائي ، خلسة ،

فلا أجد غير بقايا نازفة لآخرين

أرمُم خطواتي

فينهار الطريقُ باكياً

أصمتُ

فيصيرَ فمي

فجوةً مصمتة

ثم أتكلمُ

كأني غريب .

 

 

 

 

 

ـ 2ـ

خطــــــوة تعيســــــة تصلح للخروج

 

" المخرجُ يُنهى المشهد دائماً

بالظلام ،

فيما تتوهمُ العيونُ

أن نهاراً سيسقطُ من كوةٍ

خلفَ الشاشة "

 

  

ألم أقل لكم

 

أخف من وخزةِ إِبرةٍ

من ورقة شجرةٍ ناشفةٍ

من لمسةِ يدٍ لحبيبةٍ

أخفْ .

 

ينتشلها بسرعةٍ خاطفةٍ

هذه الكتلةُ الدمويةُ الحائرة

التي يسمونها باسمي

يتأملها للحظةٍ

ثم يطيّرها لأعلى .

 

هذه الكتلةُ المزعجةُ

لا تكفُ عن الحركةِ والضجيج ،

لا ترتاحُ من تَفَرّس الوجوهِ الوعرةِ

لا تريدُ شيئاً أبداً

لا تريدْ .

 

هذه الكتلةُ

كانت تتصورُ أن لها يدين

لو مرَّرَتْها على رؤوس البشرِ

لصاروا آلهةً طيبين .

 

هذه الكتلةُ

بعد مسيرةِ ثلاثين سنةً ،

بعد أكوام من المحبة المكدسة

وهي ترىَ الكراهيةَ

في عيون من تُحب ،

تصيرُ كفسيلة

في بركةِ ماءٍ آسنةٍ

ينزعها طائرٌ صغيرٌ بمنقاره

ويغيبْ  .

 

ألم أقلْ لكم

أخفُ من وخزةِ إِبرةٍ  .

  

العميـان

 

 

إلى الشاعر العراقي علي حبش :

واحد من الكومبارس سقطت سنواته بلا سبب

  

" في شوارعَ ليليةٍ باردةٍ

قدماي تدوران

كشيالٍ مأجور ،

والسريرُ

أبعد من مغفرة"

 

* البطل

الذين يتساقطون كفراشٍ حوله

العائمون في دمهم الفرحان ،

وهو في اللحظةِ الأخيرةِ

يصافحُ حذاءَه بمودةٍ ،

لن يغضبوا منا

لأننا لن نتذكرهم أبداً

فيما تخفق قلوبنا لنجاتهِ

الدائمة .

 

* الكومبارس

لم يبدلوا ملابس مليئة بثقوبٍ منسيةٍ ،

لكنهم بمحضِ الصدفةِ

فركوا جيوبَهم

فسقطتْ السنواتُ منتحرةً ،

 

- هذه السنوات الميتة

أعطوني فانوساً كي أدفنَها في ضوئِه

 

صرخاتُه كادت تحرقُ الستائرَ

فربطُوها في حاملِ الكاميرا.

ولأن الضحايا دائماً مؤلمون ،

رأى المخرجُ أن يستغلَ الموقفَ درامياً

فمنحه فانوساً مضاءً بشفقةٍ

ليدورَ حولَهم

كفيلسوفٍ معذبٍ

مع فارقٍ بسيطٍ

في هذه المرة

أن المشهدَ

كان مُعتماً بالفعل 

 

 

مجرد أطفال نائمين

 

كل هذه الأكتاف ،

كل هذه الرؤوس فوق الأكتاف ،

كل هذه الأحلام الميتة

كأطفالٍ نائمين ،

تنحدرُ من العيون

وتشتبكُ قبل سقوطها على الأرض ،

مع الأنفاس .

ولمرةٍ وحيدةٍ ،

ستكونُ الطبيعةُ رحيمة ،

لأن عاصفة ستهبُ

لتنكسَ الأتوبيسات العامة

والبنايات الجهمة

والأرصفة

وتتكوم تلك الأحلام التعيسة

في مقبرةٍ جماعيةٍ ،

ثم تهبُ عاصفةٌ جديدةٌ

لتهيل الترابَ عليها ،

وتهطلُ سيولٌ مسنونةٌ

 

لن يمرَ وقتٌ طويلٌ

حتى تنبتَ شوارعُ تستحمُ

في ماءِ المطر

لن تكون هناك قسوةٌ ،

فقط

ستحتاجُ الأحلامُ الجديدةُ لفترةٍ

كي تعثرَ على أكتافٍ كثيرةٍ ،

فوقها رؤوسٌ كثيرةٌ ،

وعيونٌ تلمعُ بداخلها أسرَّة بيضاء

سوف تمدُ الأحلامُ أناملَها

بحنوَ

لتوقظَ الأطفالَ النائمين .

  

ـ3ـ

أنفاسي تهز

الــزغب النائــم على أذنــــها

 

" لا

ليست ضحكات ،

إنها

مجرد دفقات هواء

متعثرة في الصدر "